الآلوسي
55
تفسير الآلوسي
قال تعالى : * ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) * ( النساء : 147 ) ، وقيل : المعنى ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه تعالى وتضرعكم إليه في الشدائد كما قال تعالى : * ( فإذا ) * ركبوا في الفلك دعوا الله ) * ( العنكبوت : 65 ) وقال سبحانه : * ( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) * ( الأنعام : 42 ) ، وقيل : المعنى ما خلقكم سبحانه وله إليكم حاجة إلا أن تسألوه فيعطيكم وتستغفروه فيغفر لكم ، وروي هذا عن الوليد بن الوليد رضي الله تعالى عنه . وأنت تعلم أن ما آثره الزمخشري لا ينافي كون الخطاب لقريش من حيث المعنى فقد خصص بهم في قوله تعالى : * ( فقد كذبتم ) * . * ( فَسَوْفَ يَكُونُ لزَاماً ) * أي جزاء التكذيب أو أثره لازماً يحيق بكم حتى يكبكم في النار كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها فضمير * ( يكون ) * لمصدر الفعل المتقدم بتقدير مضاف أو على التجوز ، وإنما لم يصرح بذلك للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مما لا يكتنهه البيان . وقيل : الضمير للعذاب ، وقد صرح به من قرأ * ( يكون العذاب لزاماً ) * ، وصح عن ابن مسعود أن اللزام قتل يوم بدر ، وروي عن أبي . ومجاهد . وقتادة . وأبي مالك ولعل إطلاقه على ذلك لأنه لوزم فيه بين القتلى * ( لزاماً ) * . وقرأ ابن جريج تكون بتاء التأنيث على معنى تكون العاقبة ، وقرأ المنهال ، وأبان بن ثعلب . وأبو السمال * ( لزاماً ) * بفتح اللام مصدر لزم يقال : لزم لزوماً ولزاماً كثبت ثبوتاً وثباتاً ، ونقل ابن خالويه عن أبي السمال * ( لزاماً ) * على وزن حذام جعله مصدراً معدولاً عن اللزمة كفجار المعدول عن الفجرة والله تعالى أعلم هذا . ومن باب الإشارة : قيل في قوله تعالى : * ( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) * ( الفرقان : 7 ) إشارة قصور حال المنكرين على أولياء الله تعالى حيث شاركوهم في لوازم البشرية من الأكل والشرب ونحوهما وقالوا في قوله تعالى : * ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) * ( الفرقان : 20 ) إن وجه فتنته النظر إليه نفسه والغفلة فيه عن ربه سبحانه ، ويشعر هذا بأن كل ما سوى الله تعالى فتنة من هذه الحيثية . وقال ابن عطاء في قوله تعالى : * ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً ) * ( الفرقان : 23 ) أطلعناهم على أعمالهم فطالعوها بعين الرضا فسقطوا من أعيننا بذلك وجعلنا أعمالهم هباءً منثوراً ، وهذه الآية وإن كانت في وصف الكفار لكن في الحديث أن في المؤمنين من يجعل عمله هباءً كما تضمنته ، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب في المتفق والمفترق عن سالم مولى أبي حذيفة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليجاءن يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثل جبال تهامة حتى إذا جئ بهم جعل الله تعالى أعمالهم هباءً ثم قذفهم في النار ، قال سالم : بأبي وأمي يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم قال : كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنئة من الليل ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليه فادحض الله تعالى أعمالهم " وذكر في قوله تعالى : * ( ويوم يعض الظالم ) * ( الفرقان : 27 ) الآية أن حكمه عام في كل متحابين على معصية الله تعالى . وعن مالك بن دينار نقل الأحجار مع الأبرار خير من أكل الخبيص مع الفجار ، وفي قوله تعالى : * ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين ) * ( الفرقان : 31 ) أنه يلزم من هذا مع قولهم كل ولي على قدم نبي أن يكون لكل ولي عدو يتظاهر بعدواته ، وفيه إشارة إلى سوء حال من يفعل ذلك مع أولياء الله تعالى . ولذا قيل : إن عداوتهم علامة سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى ، وفي قوله تعالى : * ( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ) * ( الفرقان : 34 ) إشارة إلى أنهم كانوا متوجهين إلى جهة الطبيعة ولذا حشروا منكوسين ، وفي قوله تعالى : * ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون